عبد الشافى محمد عبد اللطيف
363
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
تعود إلى فيه ، فإني أراك فتى سديدا ، فكن على الخير معينا . ومضى عنه الفتى ، ثم رجع بعد حين وقال : يا فقيه أجابك أمير المؤمنين إلى ما سألت ، وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله ، ومنه خرجت إليك ، وأمرت بملازمتك مذكرا بالنهوض عند فراغك قال : افعل راشدا وجلس الخصي جانبا حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه كأفسح ما جرت به عادته ، غير منزعج ولا قلق ، فلما انفضضنا عنه قام إلى داره ، فأصلح من شأنه ، ثم مضى إلى الخليفة الحكم ، فوصل إليه من ذلك الباب ، وقضى حاجته من لقائه ، ثم صرفه على ذلك الباب ، فأعيد إغلاقه على أثر خروجه . قال ابن مفرج ولقد تعمدنا في تلك العشية إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود بإغلاقه بدبر القصر ، لنرى تجشم الخليفة له ، فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحا ، وقد حفه الخدم والأعوان منزعجين ، ما بين كناس وفراش ، متأهبين لانتظار أبي إبراهيم ، فاشتد عجبا لذلك ، وطال تحدثنا عنه . ويعلق المقري على الرواية مأخوذا بروعة هذا الكبرياء ، فيقول « 1 » : « هكذا تكون العلماء مع الملوك ، والملوك مع العلماء قدس اللّه تلك الأرواح » ا . ه . ليست هذه مجرد حكايات تروى ، وإنما هي ترجمة لسلوك ملوك كبار عرفوا قيمة العلم فاحترموا العلماء ، وأحلوهم منهم المكان الذي يليق بهم ، وبعلمهم . وبهذا قامت الحضارة وتأثل المجد . وبنفس هذه الروح استقبلت الأندلس أحد أبرز علماء المشرق في اللغة والأدب ، وهو أبو علي القالي ، هذه كنيته واسمه إسماعيل ابن القاسم ، وقد استدعاه الخليفة عبد الرحمن الناصر لعلمه وفضله ، وليكون معلما لابنه وولي عهده الحكم المستنصر ، وندع الحميدي يروي لنا قصة القالي ومجيئه إلى الأندلس ، فيقول « 2 » : « إسماعيل بن القاسم ، أبو علي القالي اللغوي ، ولد بمنازجرد من ديار بكر ، فنشأ بها ، ورحل منها إلى العراق في طلب العمل ، فدخل بغداد في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ، وسمع من أبي القاسم عبد اللّه بن عبد العزيز البغوي ، وأبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن يحيى بن صالح بن عاصم
--> ( 1 ) راجع القصة بتمامها في المقري - نفح الطيب ( 1 / 176 ، 177 ) ، وراجع كذلك خوليان ريبيرا - التربية الإسلامية في الأندلس ، أصولها المشرقية وتأثيراتها المغربية ، ترجمة د . الطاهر أحمد مكي ، دار المعارف القاهرة ( 1981 م ) ، ( ص 102 - 104 ) . ( 2 ) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ( ص 164 - 168 ) .